أبي الفرج الأصفهاني

127

الأغاني

ثعلبة بن امرئ القيس بن مازن بن الأزد - وهو غلام ، فجعله الذي سباه في بهمة يرعاها مع ابنة له ، فلما خلا بها الشنفري أهوى ليقبّلها ، فصكَّت وجهه ، ثم سعت إلى أبيها فأخبرته ، فخرج إليه ليقتله ، فوجده وهو يقول : / ألا هل أتى فيتان قومي جماعة بما لطمت كفّ الفتاة هجينها ؟ [ 1 ] ولو علمت تلك الفتاة مناسبي ونسبتها ظلَّت تقاصر دونها أليس أبي خير الأواس وغيرها وأميّ ابنة الخيرين لو تعلمينها [ 2 ] إذا ما أروم الودّ بيني وبينها يؤمّ بياض الوجه منّي يمينها [ 3 ] قال : فلما سمع قوله سأله : ممّن هو ، فقال : أنا الشنفري ، أخو بني الحارث بن ربيعة ، وكان من أقبح الناس وجها ، فقال له : لولا أني أخاف أن يقتلني بنو سلامان لأنكحتك ابنتي . فقال : عليّ إن قتلوك أن أقتل بك مائة رجل منهم ، فأنكحه ابنته ، وخلَّى سبيله ، فسار بها إلى قومه ، فشدت بنو سلامان خلافه [ 4 ] على الرجل فقتلوه ، فلما بلغه ذلك سكت ولم يظهر جزعا عليه ، وطفق يصنع النبل ، ويجعل أفواقها من القرون والعظام ، ثم إن امرأته بنت السلامانيّ قالت له ذات يوم : لقد خست [ 5 ] بميثاق أبي عليك ، فقال : كأن قد - فلا يغررك مني تمكَّثي - سلكت طريقا بين يربغ فالسّرد [ 6 ] وإنّي زعيم أن تثور عجاجتي على ذي كساء من سلامان أو برد هم عرفوني ناشئا ذا مخيلة أمشّي خلال الدار كالفرس الورد [ 7 ] كأني إذا لم يمس في الحي مالك بتيهاء لا أهدى السّبيل ولا أهدي [ 8 ] / قال : ثم غزاهم فجعل يقتلهم ، ويعرفون نبله بأفواقها في قتلاهم ، حتى قتل منهم تسعة وتسعين رجلا ، ثم غزاهم غزوة ، فنذروا به ، فخرج هاربا ، وخرجوا في إثره ، فمر بامرأة منهم يلتمس الماء فعرفته ، فأطعمته أقطا ليزيد عطشا ، ثم استسقى فسقته رائبا ، ثم غيّبت عنه الماء ، ثم خرج من عندها ، وجاءها القوم فأخبرتهم خبره ، ووصفت صفته وصفة نبله ، فعرفوه ، فرصدوه على ركيّ لهم ، وهو ركيّ ليس لهم ماء غيره ، فلما جنّ عليه الليل أقبل إلى الماء ، فلما دنا منه قال : إني أراكم ، وليس يرى أحدا إنما يريد بذلك أن يخرج رصدا إن كان ثمّ ، فأصاخ القوم وسكتوا . ورأى سوادا ، وقد كانوا أجمعوا قبل إن قتل منهم قتيل أن يمسكه الذي إلى جنبه لئلا تكون حركة ، قال : فرمى لمّا أبصر السواد ، فأصاب رجلا فقلته ، فلم يتحرك أحد ، فلما رأى ذلك أمن في نفسه وأقبل إلى الرّكيّ ،

--> [ 1 ] تقدم هذا البيت وما بعده في الترجمة نفسها برواية تختلف قليلا عن هذه والمعنى لا يتغير . [ 2 ] الخيرين : جمع خير بعد تخفيف الياء . [ 3 ] يريد أنه حين يريد تقبيلها لا يضع وجهه إلا على يدها التي تتلقى بها القبلة ، ثم تصفعه بها ، وقد ضبطت بعض الأصول يمينها بالرفع على أنه إقواء . [ 4 ] خلافه : بعده ، أي بعد رحيل الشنفري . [ 5 ] خست بالميثاق : لم تف به . [ 6 ] جملة « فلا يغررك مني تمكثي » معترضة أي ، كأنني قد سلكت . . . إلخ ، ويربغ والسرد : مكانان يمر بهما عندما يؤم بني سلامان . [ 7 ] مخيلة : خيلاء ، الفرس الورد : الأحمر . [ 8 ] لعل مالكا هذا صهره الذي يثأر له ، التيهاء : الصحراء يضل فيها السالك ويروى : « بتيماء » .